القاضي النعمان المغربي
379
المجالس والمسايرات
فقال : لأنّهم كانوا يسألون رسول اللّه ( ص ) عمّا جهلوه ويعلّمهم ما لم يعلموه . قال : صدقت ، وكذلك واللّه ، لو أقاموا من أقام لهم من بعده مقامه وسألوه « 1 » ، لما اختلفوا . ولكنّهم نصبوا بعده من « 2 » لم يأمر اللّه ولا رسوله بنصبه ، فسألوه عمّا جهلوه وتحاكموا إليه فيما اختلفوا فيه ، فقصّر عن كثير من ذلك ولم يعلمه وجعل يسأل الناس عنه فاختلفوا عليه في الجواب فيه ، وتطاعموا لذلك الرئاسة / فمضوا على ردّ الجواب لا يدرون [ أ ] أصابوا أم أخطئوا أوجه الصواب ، ومضى على ذلك كذلك الثاني والثالث « 3 » . واختلفوا في أحكام الدين ، فاقتدى بهم في ذلك من جاء بعدهم من التابعين ومن لحق بهم من اللاحقين ، فكان سبب الاختلاف مع طلب القوم الرئاسة لأنفسهم وصرف وجوه الناس إليهم ، وقد قال رسول اللّه ( ص ) : من طلب العلم ليباهي به العلماء ويماري به السفهاء وليصرف به وجوه الناس إليه ، ويقول أنا رئيسكم ، فليتبوّأ مقعده من النار ! إنّ الرئاسة لا تصلح إلّا لأهلها « 4 » . فقال عليّ ( عم ) : لو ردّوا الأمر إليّ لقضيت بين أهل القرآن / بالقرآن ، وبين أهل التوراة بالتوراة ، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل . وإنّي لأعلم ما بين اللوحين . وكان يضرب بيده إلى صدره ويقول : إنّ هاهنا لعلما جمّا ما أصبت له حملة . وقال جعفر بن محمد ( ص ) وقد سئل عن قول اللّه ( عج ) : « فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » * فقال : نحن أهل الذكر ، ولو ردّوا السؤال إلينا ، لما اختلف منهم اثنان . وروى مثل ذلك عن أبيه أبي جعفر محمد بن علي ( صلع ) ، ومثل هذا وما يؤيّده علمهم ( صلع ) قد جاء من غير طريق . وذكرت فيما وصف من أمر المنافقين قول الصحابة : ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول اللّه ( صلع ) إلّا ببغضهم عليّا / لأنّ رسول اللّه ( صلع ) قال : لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق « 5 » . فلو لا بيان الرسول ودلالته لما عرف الناس المنافقين كما قال المعز لدين اللّه ( عم ) .
--> ( 1 ) يعني علي بن أبي طالب وهو وصي الرسول ( 2 ) يعني أبا بكر . ( 3 ) عمر ثم عثمان . ( 4 ) حديث : من طلب العلم ليباهي به العلماء . . . ذكره ابن ماجة ( ص 93 رقم 253 و 254 ) والسيوطي في الجامع الصغير ( ج 3 ص 210 ) . وورد في الكافي الكليني ( ج 1 ص 47 رقم 6 ) . ( 5 ) لا يحبك الا مؤمن . . . ذكره الترمذي ( ج 13 ص 168 ) . وجاء في نهج البلاغة ( ص 372 رقم 42 ) . بهذا اللفظ : يا علي لا يبغضك مؤمن ، ولا يحبك منافق .